الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

244

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وردّ الأمانات إلى أهلها ، والخروج عن كلّ حول وقوة إلى حول اللَّه وقوته يحصل له الكمال الأتم ، أعني الوصول إلى التوحيد . والحاصل : أنه لا يزال يسير من مقام أعلى منه حتى يصل إلى مقام الرضوان والمحبة الإلهية ، ويبقى يسير بهما صاعدا إلى ما لا نهاية له ولا غاية ، ثم إن من المسلم به أن هذا المقام ميسور لهم عليهم السّلام بل هم سائرون فيه بكماله وتمامه ، فهم إلى الآن وإلى الأبد في سير مشاهدة جلاله وجماله تعالى ، اللذين لا نهاية لهما ، كما تقدمت الإشارة إليه ، وهذه المقامات في الحقيقة من آثار حكومته تعالى إياهم لروحهم وبالعلم ، الذي هو الرزق الطيب للروح الإنساني ، وذلك عند طاعتهم للَّه ، واتقائهم معاصي اللَّه ، لما تقدم مرارا من أن من اتقى اللَّه علَّمه ما لم يعلم قال اللَّه تعالى : ( واتقوا اللَّه ويعلَّمكم اللَّه ) 2 : 282 ( 1 ) وقال تعالى : ( ولما بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ) 28 : 14 ( 2 ) وعن علي أمير المؤمنين عليه السّلام ما هو من قوله عليه السّلام : " ليس العلم في السماء فينزل إليكم ، ولا في الأرض فيصعد إليكم ، ولكن العلم مجبول في قلوبكم تخلقوا بأخلاق الروحانيين يظهر لكم " . ومن المعلوم أن غير المتقي بحكم الأموات ، كما أن الكافر يكون ميتا لا فوز له من الإيمان والعمل الصالح ، فلا محالة يكون محروما عن العلم الذي هو رزق الروح للإنسان ، ثم إن من المعلوم أيضا أنه تعالى جعل لمحمد وآله ( عليه وعليهم السلام ) من هذه التكرمة ما جعل لهم به خزائن غيبة علمه بحقيقة ما هم أهله ، وقد تقدم مرارا ما يوضح لك هذا . إذا علمت هذا فنقول : استقامة الإنسان ، واعتدال قامته حاكيّة عن تحقيق إمكان سيره المعنوي في تلك المقامات المشار إليها ، التي يكون الإنسان إلى ما لا نهاية له ، فمن خلق صورته مستقيما معتدلا بنحو يتمكن من الأعمال والعبادات

--> ( 1 ) البقرة : 282 . . ( 2 ) القصص : 14 . .